1-

1-         المذهبُ الطبيعيّ:

ظهرَ "المذهبُ الطبيعيّ" في الأدبِ في نهاياتِ القرنِ التاسعِ عشر.. يقولُ (سترند برج) عن كاتبِ المذهبِ الطبيعيِّ: "إنّه ذلك الفنانُ الذي يبحثُ في بحرِ الحياةِ الصاخبِ عن كلِّ المثيراتِ الكبيرةِ الحقيقيّة، التي يَعُدُّها الكاتبُ الواقعيُّ شذوذًا، لأنّها تستخفي عنِ الأنظارِ وراءَ حُجبٍ كثيفةٍ من التقاليدِ والآدابِ والقوانين"!!.. ومن هنا كان ما يتمنّاه (سترند بيرج) من أن يتسنى له المسرحُ الذي يُخرجُ فيه ما تواضعَ المجتمعُ على تسميتِه بالفضائحِ، والخروجِ عنِ العرفِ، والانطلاقِ من التقاليدِ، والاستهتارِ بالآدابِ والأخلاقِ العامّة!!!!

وقد كان لبشاعةِ ما يُعرضُ من كتاباتِ هذا المذهبِ على خشبةِ المسرح، ما جعلَ الرقيبَ في (ألمانيا) و (انجلترا) يقفُ لها بالمرصاد ـ هذا قبلَ إلغاءِ الرقابةِ في الغربِ نهائيًّا ـ فلم يُصرّحْ بعرضِ هذه المسرحيّاتِ إلا في حفلاتٍ خاصّةٍ يُدعى إليها الصفوةُ من رجالِ الفكرِ ببطاقاتٍ خاصّة، نظرًا لانغماسِها في تصويرِ الحياةِ اليوميّةِ بكلِّ ما فيها من رواسبَ وأمراضٍ وعللٍ وانحرافات.. حتى إنَّ (جان كارير) يقولُ عن (إميل زولا): "إنّ (زولا) لم يُعطِنا قطُّ تلك الصورةَ التامّةَ الكاملةَ التي كان يطمحُ أن يُصوّرَها لنا عن عصرِه، فقد صوّر رذائلَ هذا العصرِ ومخزياتِه فحسب، من حياةِ العرابيدِ والأفّاقينَ واللصوصِ والعاهراتِ والسكارى والشاردينَ والمعلولينَ ومن لا خَلاقَ لهم من العمّالِ والمزارعينَ وسفلةِ الطبقةِ البرجوازيّةِ والجنودِ الجبناءِ والوزراءِ المنهومينَ... إلخ.. لقد وعدنا (زولا) بعالمٍ زاخرٍ بالحياةِ الصحيحةِ فأعطانا مستشفى!!.. حقًّا إنّ هذا جهلٌ لا يمكنُ تصوّرُه، من عقليّةٍ تَعْمَهُ في ضلالاتٍ لا يمكنُ تصوّرُها!!"[1].

وقد كانت نهايةُ معظمِ كتابِ المذهبِ الطبيعيِّ مأساويّة، فماتَ (جول دي جونكور) في الأربعينَ من عمرِه، بعدَ حياةٍ سائبةٍ أكبَّ فيها على الخمرِ والمخدّراتِ والأفيون، وكانَ أخوه (إدمون) رجلا تعيسًا معتلَّ الجسمِ مُختلَّ الأعصابِ جديرًا بالشفقةِ والرثاء، وهو نفسُ ما ينطبقُ على (إميل زولا) و (موباسان)، الذي جُنَّ بعدَ أن جاوزَ الأربعينَ بوقتٍ قصير، ثمَّ ماتَ مشلولاً بعد إكبابٍ طويلٍ على السموم!!

ويقدّمُ (دريني خشبة) تعليلا لهذه الظاهرةِ فيقول: "ولعلَّ ذلك ناشئٌ من التزامِ الصدقِ في تسجيلِ مُجرياتِ الحياة، والمبالغةِ في التزامِ ذلك، دونَ أن يعملَ الأدباءُ حسابًا للعواطفِ المكبوتةِ التي يُفجّرُها الاطّلاعُ المكشوفُ على ما يجملُ أن يُخفى ويُسترَ من موبقاتِ العالمِ الجنسيّ.. هذا العالمِ الذي يُثيرُ الشهواتِ النائمةَ ويجعلُ أصحابَها فريسةً ذليلةً لها، كلما حاولوا إشباعَها لم تقْنَعْ وطالبتْهم بالمزيدِ حتّى تذوبَ قلوبُهم وأبدانُهم في جحيمِها التي لا تعرفُ الشرائع، ولا تحفلُ بالتقاليدِ والآداب، وتحتقرُ الأديانَ، ولا تُقيمُ وزنًا للفضائلِ وحميدِ السجايا والأخلاق".

ويقولُ عن كتابِ المذهبِ الطبيعيِّ في (مصر): "وهم مرجوّونَ لخيرٍ ممّا يكتبون، فهم مفكّرونَ مقتدرون، ولا ينقصُهم الاستعدادُ للانصرافِ ولو قليلا عنِ المذهبِ الطبيعيِّ، الذي جعلهم يوشكونَ أن يجعلوا منّا أمّةً من المجانينِ والمنحرفينَ والمعتلّينَ والبلطجيّةِ والشواذِّ والضالّينَ والسكارى، ومن لا همَّ لهم إلا أن يعيشوا تلكَ الحياةَ المادّيّةَ البهيميّةَ التي تحياها البهائمُ وأهلُ النفاق.. إلى آخرِ ما يكتبُه أولئكَ الإخوانُ الأفاضل، والذي لو تُرجمَ إلى لغاتٍ أخرى لحكمَ علينا قراؤنا الأجانبُ بأنّنا أمّةٌ تحيا في مستشفى المجاذيبِ أو دارِ علاجٍ للأمراضِ السرّيّة!!.. لكم نرجو مخلصينَ أن يتخلّصَ كتّابُنا من آثارِ هذا المذهب، في القصّةِ والمسرحيّةِ على السواء، وأن يتخلّصَ منه فنانونا في التصويرِ والسينما وفي نظمِ الأغاني.. إنّه مذهبٌ فشلَ في (أوروبا) و (أمريكا) وفي كلِّ ركنٍ من أركانِ العالم، لاقتصارِ الأديبِ أو الفنّانِ فيه على التصويرِ المادّيِّ الفاضح، أو التصويرِ المجسّمِ الذي لا يحتشم، أو التصويرِ الذي تبدو به النفسُ البشريّةُ عاريةً في أحطِّ غرائزِها.. إنّه مذهبٌ لا يحملُ رسالةً ولا ينطوي على فلسفةٍ ولا يهدفُ إلى إصلاح".

لقد كتبَ (دريني خشبة) هذا الكلامَ سنة 1961، ولو عاشَ إلى الآنَ لأدركَ كيفَ أدّى الإلحاحُ على تصوير هذه النماذجِ المنحرفةِ من البشر إلى إنتاجِ أجيالٍ كاملةٍ تأنسُ بها ولا تستنكرُ تصرفاتِها، بل تظنُّها هي الأصلَ في المجتمعِ فتتمثّـلُها وتقتدي بها!.. والنتيجةُ الطبيعيّة، هي أنَّ الملتزمينَ والأسوياءَ صاروا الآنَ هم الشواذَّ والقلّةَ في المجتمع، ويتّهمونَ بالتخلّفِ والرجعيّةِ والتزمّتِ... إلخ!!!!

 

 



[1] أعرفُ أنَّ معظمَ من يقرأونَ هذا الكلامَ سيهزّونَ رءوسَهم في حسرة، ويمصمصونَ شفاههم في امتعاض.. هذا دونَ أن ينتبهوا إلى أنَّ معظمَ ما يقرأونَه في القصصِ والرواياتِ، وما يُشاهدونَه في الأفلامِ والمسلسلاتِ هو من هذه النوعيّة.. ولكنّهم من فرطِ اعتيادِهم لم يعودوا يلاحظونَ ذلك!!