الغيمة الكتابيّة-7 :3.دراسات: إضبارة د.عبدالله الفـَيفي http://www.alfaify.cjb.net

الغيمة الكتابيّة
إعادة كتابة التاريخ !
( قراءة في تماهي الشعريّ بالسرديّ في الرواية السعوديّة )
بقلم: الدكتور عبدالله بن أحمد الفَيفي

[ الحلقة السابعة ]

‏في الحلقة السادسة أشرتُ إلى أن نصّ "الغيمة الرصاصيّة" بمُجمله، وما دار حوله، ممّا دعاه الكاتب (قِصّة عَزَّة)، هو شبكة من رموز التاريخ، والحُلم بإعادة كتابة التاريخ، وتصوير السُّلطات أو الظروف التي قد تحول دون تغيير مجرى التاريخ، فضلاً عن إعادة كتابته. يدلّ على وجاهة هذا التأويل قول الكاتب- على سبيل المثال- في الردّ على منصور وسعيدان:

"قلتُ لهما: المشكلة ليست في فهم أيّ منكما للنصّ أو لما أضافه إليه، ولكن المشكلة في النصّ الآخر الذي تمّ تدوينه محرّفًا في أكثر من مكان، ولا أعتقد أن عَزَّة سترى النور في هذا الوادي إلاّ بإعادة تدوين النصّ الأصليّ في كتاب السجلاّت، أو نَقْله منه وتصحيحه في كتابة جديدة.
لم يَبْدُ الارتياح على الشابّيْن، لكنّهما أشارا إليّ بأن أبا عاصم وأبا معصوم يُعيدان كتاب السجلاّت بعد انتهاء التحقيق إلى قلعة ابن عيدان ليبقَى تحت نظره مكنونًا في حِرزٍ يصعب الوصول إليه إلاّ بأمره."(1)

وهكذا ينقضي القسم الثاني من "الغيمة الرصاصيّة"، بعنوان "وهج الذاكرة، 2- سهل الجبَلي"، لينتقل الكاتب في القسم الثالث، بعنوان "وهج الذاكرة، 3- الراوي"، إلى أقصوصة يختلط فيها الواقع بالخيال، ينسبها إليه هو، أي إلى علي الدُّمَيني. خلاصتها: أنه أتى إليه في مكتبة في (الخُبَر) (جاسم) بحقيبة فيها مخطوط، وفيها جذاذات وتسجيلات، ثم طلب منه الاطّلاع عليها، وتجميع موادّها، ليُخرجها إلى النور. في لُعبة سرديّة تذكّر القارئ– على سبيل المثال، وإنْ مع الفارق- باللعبة السرديّة في رواية "المخطوط القُرمزي: يوميّات أبي عبدالله الصغير آخر ملوك الأندلس"، للشاعر والروائي الأندلسي أنطونيو غالا(2). ولدى اطّلاع الراوي على ما في الحقيبة، والإصغاء إلى بعض التسجيل، سَمِع:

"يا سهل الجبليّ.. يا صاحب الحول والطَّول... والعصى والعُصَيّة... والزَّبَرْجد المعقود، والحرف المفقود... أعطني صوتك وموتك... وحرّك وِقْرك لأطلق عَزَّة من غياهب نصّك". واستمَرَّ في تكرار النداء، وكان صوتُ امرأة يُعاتبه من بعيد: أتعبتَ نفسك يا خالد وأتعبتنا معك بهذه الأشرطة والأوراق... ثم صَمَتَ التسجيل حتى نهاية الشريط."(3)

ويتبدّى من هذا، إذن، أن سهلاً الجبليّ هو رمزٌ للأمل العربيّ في التغيير، السهل والجبل/ السهل الممتنع، المحيل إلى "البسيط من الكلام"، حسب (محمود درويش)(4) في "مأساة النرجس ملهاة الفِضّة":

عادوا...
من آخر النّفَق الطويل إلى مراياهم.. وعادوا
حين استعادوا مِلْحَ إخوتهمْ، فُرادَى أو جماعاتٍ، وعادوا
من أساطيرِ الدفاع عن القلاعِ إلى البسيط من الكلامْ
...

سهل الجبليّ الحاضر الغائب، بصوته وبموته؛ الذي يمكن أن يُطلق عَزَّة البائسة من غياهب النصّ، بما يحمله هذا الاسم الشاعريّ الأخير من رمز إلى عودة الأمور إلى نصابها، وعودة عِزّة الأُمّة، ومنعتها، ومكانتها، إلى ما كانت عليه، وهي الهواجس التي يدور النصّ في فَلَكِها. عَزَّة، الجمال والحُب والخصب، المُذكِّر بشاعرها الذيّ لم يكن له منها نصيب، إلاّ لوعة الهوى، (كثيّر عَزَّة)، القائل- فيما يشبه إشاريّة "الغيمة" في "الغيمة الرصاصيّة"-:

41- وَإِنّي وَتَهيامي بِعَزَّةَ بَعدَما
تَخّلَّيتُ مِمّا بَينَنا وَتَخَلَّتِ
42- لَكَالمُرتَجي ظِلَّ الغَمامَةِ كُلَّما
تَبَوَّأَ مِنها لِلمَقيلِ اِضمَحَلَّتِ
43- كَأَنّي وَإِيّاها سَحابَةُ مُمحِلٍ
رَجاها فَلَمّا جاوزَتْهُ اِستَهَلَّتِ(5)

وحينما عجز الراوي عن تجميع الموادّ التي قدّمها إليه جاسم في نصٍّ متكامل، ذَكَر أنه ذهب- فيما هو يسعى إلى إنجاز ذلك التجميع- إلى رجلٍ كان يشتغل بالسِّحر وتحضير الأرواح لاستشارته، وهو رجل مسنٌّ كَلَّ بَصَرُهُ وثَقُل سمعه. في إشارة إلى السلفيّ العاجز، الذي قد لا تُجدي استشارته نفعًا. وهذا ما حَدَث، حينما لم يجد الراوي لدى ذلك السلفيّ العاجز ما يفيد في تفسير معنى ذلك النداء الذي وجّهه خالد إلى سهل الجبليّ. وإذا كان (خالد) في هذا المقطع من النصّ يوحي بالبطل المرتقب، الذي تنعقد عليه الآمال، فإن نداءه سهلاً الجبليّ يُذَكّر هنا بنداء (عُمر بن الخطّاب): "يا سارية، الجبلَ.. الجبلَ!"(6) إنه نداء ضمير الأُمّة، الذي يستصرخ إلى الاستعصام بما يمكن أن يعصم من الموت. هذا النداء الذي يوجّهه (خالدٌ ما)، أو (عُمَر ما)، من الماضي أو الحاضر، إلى (أملٍ ما)، سهلٍ/ جبلٍ، هو حُلم يرنو إلى أن يُنقذ (عَزَّة) من غياهب نَصّها، لتولد وتَلِد عُمْرًا جديدًا. هذه هي فلسفة النصّ الجوهريّة، التي يحوم حولها الكاتب في عوالم من الخيال ومتاهات من السرد، من حيث هو يرسم ما يشبه لوحةً من لوحات سيلفادور دالي، أكثر ممّا هو يحكي قِصّة من نوع ما، واقعيّة أو خياليّة.
ويشير الكاتب في هذا القسم من "الغيمة الرصاصيّة" إلى أنه، وهو يحاول تجميع النصّ، كان قد نبّهه جاسم إلى جزء من الكتابة بخطٍّ غير معروف، ولا بُدّ من نقله إلى الحرف العربي. في إشارة إلى جزء من التراث والتاريخ بغير العربيّة، لا اكتمال للنصّ بغيره. وقد بدأ الراوي- كما قال- يُفرغ ما في الأشرطة التسجيليّة والأوراق والجلود في دفتر أزرق خبّأة في مكتبه(7)، في إشارة بهذا اللون إلى الأمل/ الماء/ السماء.
وهكذا فإن قراءة نصّ كهذا ما لم تكن بقدرٍ من الشفافيّة الشاعريّة، توازي ما كُتب به النص، ستتعثّر فيما وضعه الكاتب من عراقيل في سبيل تواصلها معه. وهو ما حال دون افتضاض بكارة المعنى في "الغيمة الرصاصيّة" في محاولات قرائيّة سابقة.
ثم ينتقل المؤلّف إلى القِسم الرابع من نصّه، تحت عنوان "وهج الذاكرة، 4- تدوينات الزوجة". وتبدو من نقاط الضعف السرديّة في "الغيمة الرصاصيّة"- وهو ما يسهم في إبعاد النصّ عن السرديّة إلى الشِّعريّة- أن الشخوص كانوا ينطقون لغة المؤلِّف الشِّعريّة نفسها. وهذا ما لا يتأتّى في الواقع، ولا يتماشى وأصول العمل الروائي. وهذا لا يقلّل من إبداعيّة العمل بمقدار ما يصرفه إلى نوع مختلف من السرد.
في هذا الفصل يحكي معاناة زوجة سهل الجبليّ خلال غيابه المفاجئ، إذ اختطفه مسعود الهمداني من الخُبَر إلى وادي الينابيع، ومن الواقع إلى الخيال، ومن الحاضر إلى الماضي؛ ليصبح أسير نصّه الذي كَتَب، وأسير التاريخ نفسه، مغادرًا إلى وادي الينابيع: ينابيع التاريخ. وفي هذا الفصل يتكشّف ما سبقت الإشارة إليه من مسعى الكاتب إلى أن يربط معاناة الحاضر بآفاق تراكميّة من الماضي والتاريخ، وقَرْن إشكاليّة الخاص بإشكاليّات العامّ؛ فالزوجة تحكي ذكرياتها حول اعتقالِ سهلٍ بسبب ما ضُبط معه من الكتب والأشرطة؛ أيْ أن الواقع الراهن قد كان يحاصره في حياته مع زوجته مثلما غدا يحاصره هناك في التاريخ.
ولقد اعتلّت عَزَّة في كرّاستها وخارجها- كما اعتلّتْ زوجة سهل الجبليّ لغيابه- ولم يُفلح الطبيب في علاجها؛ لأنها "أسطورة، ولا يملك لها علاجًا"، ولكن زوجة سهل راجعت بها الشيخة زعفرانة، فألبستها حجابًا، كان سببًا في عودتها إلى طبيعتها.(8)
وعلى الرّغم من أن عَزَّة قد نَفَرَتْ من الرجل الأمريكي في بادئ الأمر، حينما اصطحبتها زوجة سهل الجبليّ إلى المطعم، فإنها ما لبثت أن انجذبتْ إليه، وانساقت وراءه؛ لأنها شدّتها، كما قالت، عيناه بسِرٍّ غامض. وقد ذهبت معه إلى خارج المركز التجاريّ في الخُبَر، الذي أخذتها معها إليه زوجةُ سهل، ثم طلب منها الذهاب معه بسيّارته للنزهة، وإذ أخبرته أن هذا خارج النصّ الأصليّ، لم يفهم.
ونتابع القراءة في حكاية عَزَّة هذه، ومصير مغامرتها مع الأمريكيّ، وما تحمله من دلالات، في الحلقة المقبلة، بإذن الله.



aalfaify@yahoo.com
http://alfaify.cjb.net
ــــــــــــــــــــــــــ

(1) الغيمة الرصاصيّة، 74.
(2) هي رواية حصلتْ على جائزة بلانيتا 1990، وأعيدت طباعتها عشرات المرات. وصدرت ترجمتها إلى العربيّة من قِبَل: رفعت عطفة، في طبعتها الثانية (دمشق: دار ورد، 1998). وقد نسبتُ غالا إلى الأندلس، لا إلى أسبانيا، بالنظر إلى أن أعماله تعبّر عن هذا الانتماء، وذلك ما يلفتُ إليه المترجمُ في مقدّمته للرواية. و(لُعبة المخطوطات) تجذب كثيرًا من الروائيّين، ومنهم، مؤخّرًا، يوسف زيدان، في روايته "عزازيل"، الفائزة بالبوكر العربيّة 2009، والمتّخذة من فكرة ترجمة المخطوطات حيلةً روائيّة، وإنْ رأى المجتمع المسيحيّ فيها حيلة فكريّة للإساءة إلى ديانتهم وتاريخها، بتصويرها ديانة خرافةٍ وطغيان وتوحّش، مقابل الوثنيّة المصريّة واليونانية، المصوّرة مثالاً للاستنارة والحريّة والحضارة. وإلى المشترك مع "الغيمة الرصاصيّة" في تقنية المخطوطات، فإن كلا "المخطوط القرمزي" و"عزازيل" متلبّس بالشِّعر والشِّعريّة، فغالا شاعر، وبطل روايته شاعرٌ، محاصر بالشِّعر، وبطل "عزازيل"، الراهب هيبا، شاعرٌ كذلك، يُلقي ترنيماته الدينيّة في ثنايا سرده، وأسلوب زيدان يتمتّع بشاعريّة. بيد أن هذا كلّه شيء، وأن يكون نسيج السرد وبناء النصّ ذاته شِعريًّا، كما في "الغيمة الرصاصيّة"- بحيث يصحّ أن يسمّى: "قصيدة روائيّة"- شأن آخر.
(3) الغيمة الرصاصيّة، 78.
(4) (1993)، أرى ما أريد، (بيروت: دار العودة)، 49- 77.
(5) (1971)، ديوان كُثيّر عَزَّة، تح. إحسان عبّاس (بيروت: دار الثقافة)، 103.
(6) الإشارة إلى قصّة فتح (فسا ودارا بجرد) من بلاد فارس، في السنة 23 من الهجرة، ومناداة عمر بن الخطّاب من المدينة المنوّرة سارية بن زنيم قائد الجيش للّجوء إلى جبل هناك، (انظر: الطبري (224- 310هـ= 838- 922م)، (د.ت)، تاريخ الطبري (تاريخ الأُمَم والملوك)، عناية: أبي صُهيب الكرمي (عَمّان/ الرياض: بيت الأفكار الدوليّة)، 698).
(7) انظر: الغيمة الرصاصيّة، 80.
(8) انظر: م.ن، 86- 87.





ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ملحق "الأربعاء"، صحيفة "المدينة "- السعوديّة، الأربعاء 18 جمادى ا لأولى 1430هـ= 13 مايو 2009م
http://www.al-madina.com/node/137029/arbeaa




شكراً لزيارتك هذه الصفحة!

جميع الحقوق محفوظة ©