طلاب الجامعات وبئر المكافآت!: شوريّات: إضبارة أ.د.عبدالله الفـَيفي



طلاب الجامعات وبئر المكافآت!


تنظر الأُمّم الراشدة إلى أن أهم قيم الاستثمار هي تلك الموجّهة إلى الاستثمار في الأجيال الصاعدة التي ستصنع من خلالها المستقبل. ودولتنا- أعزّها الله- دأبت على تبني تلك النظرة؛ ولذلك كان للطلبة الجامعيين في ميزانيتها نصيب، لا يصدّقه شاب في بلد آخر، حيث يَدفع الطالب مقابل تعليمه الجامعي. ولقد يرى بعضٌ أن مكافآت الطلبة الجامعيين- فوق تعليمهم المجاني- باتت اليوم ترفًا، وأن بالإمكان استثمارها في مجالات مختلفة لتحسين أداء الجامعات، وربما استشهد بحكاية الأب الذي سعى إلى "تعيين ابنه طالبًا" في إحدى الجامعات، حين تعذّر عليه أن يعثر له على وظيفة! لكن تلك الرؤية إلى عدم أهمية المكافأة تبدو هي نفسها المترفة، أو قل إنها لا تنظر إلا إلى نصف الكأس أو ربعه أو ثمنه، أي إلى شريحة من الطلبة هم بالفعل في غنى عن المكافآت. غير أن الشريحة العظمى في أمس الحاجة إليها، لا لانتمائهم إلى أسر فقيرة أو محدودة الحال فحسب، ولكن أيضًا لأن كثيرًا منهم يفدون إلى الجامعات من الأرياف والقُرى البعيدة، ولولا تلك المكافآت لتعذّرت عليهم مواصلة الدراسة. بل إنها- في حجمها الحاليّ- لا تغطّي حاجاتهم، ولا سيما مع تقلّص فرص الإسكان الجامعي، وحاجة الطالب إلى الاستئجار، ولو من الجامعة نفسها، التي كانت قبل سنوات تؤوي كثيرًا من الطلبة مجّانًا، مع ما تقدمه من تغذية، ونقل، إمّا مجّانًا أو بأسعار زهيدة، هذا إضافة إلى الكُتب المجانية أو الميسّرة.. ومعظمنا إنما نَعِم بتلك الرعاية الكريمة، التي كانت- بعد الله- مهاده إلى مواصلة الدراسة الجامعية.
إن شريحة من الطلبة الجامعيين قد لا يطمعون اليوم في أن تشملهم الأيادي البيضاء برفع مكافآتهم، أسوة بزيادة رواتب الموظفين، ومخصّصات الضمان الاجتماعي، بمقدار طموحهم المتواضع في أن تنتظم مكافآتهم الشهرية دون تأخير. وعلى الرغم من أن وزارة المالية قد باتت شمّاعة من لا شمّاعة له في حلّ كثير من الإشكالات المالية، فإن وزارة التعليم العالي هي نفسها المعنية بحل مشكلة طلبتنا المزمنة مع المكافآت، أو التنسيق مع الجهات الأخرى، لتسهيل هذا الأمر.
يبقى ذلك الابتكار الذي بدأ منذ 2003 لصرف مكافآت طلاب وطالبات بعض الجامعات، عبر بطاقات صرف آلية. والذي استبشر به الطلبة كثيرًا، إلا أنه يبدو قد زاد الطين بلّة، كما كشفت عنه مؤخّرًا شكوى الطلبة من تلك البطاقة. ذلك أن الطالب، لخطأ ما أو لتفعيل بطاقة أو تنشيطها، يضيع بين بنك وجامعة، لا تنسيق حقيقيًّا بينهما، كما هي الحال السائدة- مع زعمنا الوهمي بعصر "الحكومة الإليكترونية". فالجامعة تحيل إلى البنك، والبنك يرجع المشكلة إلى الجامعة، وتمرّ الشهور والطالب بينهما في ذهاب وإياب، وبخفّي حُنين. وتزداد المعاناة لدى الطالبات.. وهنّ أصلاً- بوصفهن جنسًا آخر- يتخبّطن في عالمهنّ الآخر! ومن ثَمّ، فإن بطاقات الصرف الآلي للمكافآت، إنْ كانت قد أزاحت همًّا عن الجامعة نفسها، فإنها لم تزد الطالب "الغلبان" إلا غمًّا بهمّ!
إن حلّ مثل هذه المشكلة ليبدو أسهل بكثير من أن يوصّف هاهنا، لولا "حكومتنا الإليكترونية" العتيدة العجيبة، وبعض إداراتنا البشريّة، التي تبدع أحيانًا في ابتكار الذرائع دون أن تسدّها!
هذا محض نموذج من نماذج.

د. عبدالله بن أحمد الفَيْفي
( عضو مجلس الشورى – الأستاذ بجامعة الملك سعود )
الجمعة 11 رمضان 1426هـ



للتعليق على الموضوع: اذهب إلى ساحة نقاش الإضبارة!

شكرًا لاطّلاعك على هذه الصفحة!

جميع الحقوق محفوظة ©